اخرى

 

أنا و هاملت

د. محمد حسين حبيب

 

     "هاملت تعني الحياة البشرية .. انها الانسان .. انها انتم , انها انا , انها كل واحد منا بالمعنى السامي او المضحك , الا انه البائس والمقنط دائما بهذه الدرجة او تلك .." هكذا يعرف الناقد الكبير بيلنسكي في تعريفه المهم جدا  لهاملت ولعل ذلك احد الاسباب العديدة التي استوقفتني كثيرا امام هذا النص وان اختاره لانه هو فعلا كذلك كما جاء في التعريف . فهاملت هو الزمن لانه يصلح لكل زمان ومكان ولهذا وجدته يصلح الان لزمننا ومكاننا العراقي تحديدا وحسبي ان العرض اجاب وافصح عن هذا الصلاح مباشرة .

       تمتد علاقتي بهاملت النص , هاملت الشخصية والحدث الاكبر منذ اكثر من ربع قرن ..فكان المشهد المسرحي الاول الذي تقدمت فيه للاختبار ومن ثم القبول في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد عام 1982 كان من هذه المسرحية وقبل ذلك حين قراتها في مرحلة الاعدادية ..منذ تلك الفترة والى الآن الفكرة تحيطني من كل جانب ما بين : امثل هذا الدور او اقوم باخراج المسرحية , ومع تعاقب الزمن والوعي ازداد تعلقي بالنص اكثر واكثر لاسباب عديدة فكرية منها ودرامية وجمالية وتحضيرية ..                   

     على صعيد خيارتي الاخراجية للنص المسرحي فان لي تجاربي وتحديدا مع النص المسرحي العالمي .. فمن بين الخمسة عشر مسرحية التي قمت باخراجها كان بينها خيارتي من النص العالمي فاذكر : اهمس في اذني السليمة لوليم هانلي  و الدي المسكين .. لآرثر كوبيت  ومسرحية ماذا ترى في الصورة ؟ التي اعددتها عن قصة قصيرة لولنكستون , والنحيف والبدين من تاليف فيرجيليو بتيرا , كذلك الاكمه والكسيح لداريوفو ومسرحية قميص رجل سعيد لبيير فورييه ..لكن ما يميز خياري هذا لهاملت وفي هذا الزمن / الآن تحديدا ليس عالمية النص وشهرته المعروفة حسب ..بل هذه العلاقة الترابطية التي تاسرني بهاملت لانه هو الانسانية التي نطمح ونريد .. علاقة فكرية وروحية وجمالية تشدني الى فاجعة هاملت .. ربما لدينا فواجع تاريخية عربية او عراقية اكبر من ماسات هاملت الدانماركية ..لكن صياغة الفاجعة واللغة التي كتبت بها وبنائها الدرامي الشيق والمغري لأي مخرج مسرحي يعي مهنته ويقدسها هي من الامور التي عززت ارتباطي اكثر بهذا النص ( الكوني ) لا الانكليزي حسب .. وكنت بانتظار اللحظة الحاسمة .. ..وفعلا بدات او بدانا مشاورنا التدريبي المضني على هذه المسرحية حين ايقنت ان اللحظة قد حانت الآن , لاظهر قراءتي الاخراجية لهذه الفاجعة الشكسبيرية , وحين توفر كادر مسرحي تمثيلي وفني واداري لي الثقة الكبيرة بكفاءته وقناعتي التامة التي عززتها ثقة الكادر بانفسهم ايضا في ان يخرج عملنا الى الناس ..ومنذ 8/1 / 2008 ولغاية عرض المسرحية في 14 / 6 والتي استمر عرضها عشرة ايام وسنواصل عرضها في يوم 30 من هذا الشهر بناءا على تلبية طلب من جامعة بابل كلية التربية لطلبة قسم اللغة الانكليزية وللجمهور ايضا حيث الكثير منهم شاهدها اكثر من مرة .. طيلة هذه الفترة كان نفسنا واحد واستعدادنا واحد ولم ننتظر او نستلم الى الان أي مقابل مادي يذكر .. لكنا استلمنا حب الجمهور ورضاهم الحقيقي - لا المزيف - عن عملنا الذي انجزناه ولله الحمد بالنيات النبيلة سعيا لاهدافنا السامية التي يعرفها رهابنة المسرح وقداسه .

     موضوعات حياتية كثيرة تزخر بها المسرحية , السياسية منها والدينية والاجتماعية والفلسفية وغيرها .. حاولت تجسيد هذه الموضوعات وفق رؤيتي الاخراجية المعاصرة وايجاد اواصر رابطة مع النص  وواقعنا العراقي وما جرى فيه ويجري الان  وسيجري لا حقا من تححقق على كافة هذه المستويات الفكرية التي تربط الانسان بانسانيته و بجذره الذي ينتمي اليه ابدا ..

الحمد لله اينعت ثمار جهودنا برضى جمهورنا المسرحي في بابل ومن بعض المحافظات العراقية ممن آلو الا ان ياتوا ويشاهدوا المسرحية .. الاصداء ممتازة جدا وحقق العرض نجاحه الذي يتحدث عنه الجميع وعده البعض انعطافة في المسرح البابلي .. وبحسب راي المهتمين والمثقفين الحقيقيين من اصدقائنا التجربة حققت الكثير مما يحق لنا ان نفخر بها مسرحيا وثقافيا .. اما اذا شاء النفر القليل , شخص او شخصان التعبير عن تفسيرات كامنة في ظلمة افكارهم تعبيرا منهم عن النقص الابداعي الذي يعانون منه ابدا فذلك شانهم ..لان القافلة المسرحية تسير.. ولا يمكن لشخص او شخصان ان يوقفوها ابدا .. ابدا .