|
تألقت نخبة من فناني بابل بتقديمهم النص الشكسبيري
الكبير( هاملت ) على قاعة النشاط المدرسي التي
احتشدت بالحضور لمشاهدة اضخم عمل مسرحي في
المحافظة ياتي ذلك ضمن فعاليات بابل عاصمة العراق
الثقافية من انتاج مديرية النشاط المدرسي التابعة
للمديرية العامة لتربية بابل وبالتعاون مع نقابة
الفنانين في بابل ومن اخراج الدكتور محمد حسين
حبيب وقال غالب العميدي مدير النشاط المدرسي والذي
جسد دور الطيف ان مسرحية هاملت تمثل تحديا كبيرا
لجميع من اشترك فيها
كون ان هذا النص الشكسبيري والمعروف في كل
العالم قدم ثلاث مرات في العراق وهذه المرة
الرابعة التي يقدم فيها مشيرا الى ان بابل انفردت
من بين محافظات العراق الاخرى في تقديمه واننا
لايمكن الا القول عنه الا انه حصل على رضا كل من
شاهده مضيفا ان مسرحية هاملت كانت تجربة ومختبرا
للذين عملوا بها ونحن في بابل نقدم على مثل هكذا
اعمال وان كان الانتاج مغيباز.
من
جانبه اكد رئيس الشعبة المسرحية في نقابة الفنانين
الفنان علي التاجر والذي جسد شخصية الملك كولديوس
ان :معظم اعمال شكسبير درر وهاملت من بينها ,الدرة
الاكثر بريقا ونحن مسرحيو بابل وبعد ان حملنا
الاخرون مسؤولية كبيرة حين وصفونا بالتألق والتميز
وكنا ومازلنا نسجل حضورنا اللافت حين نشارك في
المهرجانات قلنا ماذا سنقدم ومدينتنا قد اختيرت
بوصفها عاصمة للثقافة العراقية ؟ ولم يتأخر الجواب
فكان بعد ان انبرى المسرحيون ليكشفوا عما يمتلكوه
من طاقات وبدأنا ولم يكن طريقنا سهلا ولا بالورد
معبدا وكنا كمن يبحر بمركب تكسرت اشرعته في لجة
متلاطمة الامواج مضيفا ان ستة اشهر من العمل
المضني المتواصل من اجل ان يولد هذا الانتاج
المسرحي الكبير من رحم الحب للفن الاصيل
نور الهدى ممثلة شابة استطاعت من خلال
تجسيدها لدور اوفيليا ان تستقطب الاضواء والحق
يقال ان جميع الممثلين ابدعوا لكن كنا نعاني دائما
في المسرح البابلي من غياب العنصر النسوي وفي حديث
قصير قالت نور الهدى عن دورها :
تشكل شخصية اوفيليا واحدة من الشخصيات
المعقدة بسب التركيبة التي تنضوي تحتها الشخصية
فهي حاملة للحب وللوفاء تان بما يرغب ان تنفذه من
طلبات ابيها وقلبها الذي ينضب بحب هاملت مشيرة الى
ان كثرة التمارين والتي استمرت الى ستة اشهر اسهمت
في ولوجها الى المفردات البسيطة لهذه الشخصية فضلا
عن الرعاية الابوية والمسرحية التي تلقيتها من
استاذي مخرج المسرحية وتشجيعه لي.
مخرج العمل الدكتور محمد حسين حبيب تحدث الى
الفيحاء قائلا :
تمتد علاقتي بهاملت النص , هاملت الشخصية
والحدث الاكبر منذ اكثر من ربع قرن ..فكان المشهد
المسرحي الاول الذي تقدمت فيه للاختبار ومن ثم
القبول في كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد عام
1982 كان من هذه المسرحية وقبل ذلك حين قرأتها في
مرحلة الاعدادية ..منذ تلك الفترة والى الآن
الفكرة تحيطني من كل جانب ما بين : امثل هذا الدور
او اقوم باخراج المسرحية , ومع تعاقب الزمن والوعي
ازداد تعلقي بالنص اكثر واكثر.
وعما يميز اختياره لهاملت وفي هذا الزمن قال: الآن
تحديدا ليس عالمية النص وشهرته المعروفة حسب ..بل
هذه العلاقة الترابطية التي تأسرني بهاملت لانه هو
الانسانية التي نطمح ونريد .. علاقة فكرية وروحية
وجمالية تشدني الى فاجعة هاملت .. ربما لدينا
فواجع تاريخية عربية او عراقية اكبر من مأساة
هاملت الدانماركية ..لكن صياغة الفاجعة واللغة
التي كتبت بها وبنائها الدرامي الشيق والمغري لأي
مخرج مسرحي يعي مهنته ويقدسها هي من الامور التي
عززت ارتباطي اكثر بهذا النص ( الكوني ) لا
الانكليزي حسب .. وكنت بانتظار اللحظة الحاسمة ..
..وفعلا بدأت او بدانا مشاورنا التدريبي المضني
على هذه المسرحية حين ايقنت ان اللحظة قد حانت
الآن , لاظهر قراءتي الاخراجية لهذه الفاجعة
الشكسبيرية , وحين توفر كادر مسرحي تمثيلي وفني
واداري لي الثقة الكبيرة بكفاءته وقناعتي التامة
التي عززتها ثقة الكادر بانفسهم ايضا في ان يخرج
عملنا الى الناس ..ومنذ 1/8 / 2008 ولغاية عرض
المسرحية في 14 / 6 والتي استمر عرضها عشرة ايام
وسنواصل عرضها في يوم 30 من هذا الشهر بناءا على
تلبية طلب من جامعة بابل كلية التربية لطلبة قسم
اللغة الانكليزية وللجمهور ايضا حيث الكثير منهم
شاهدها اكثر من مرة .. طيلة هذه الفترة كان نفسنا
واحد واستعدادنا واحد ولم ننتظر او نستلم الى الان
أي مقابل مادي يذكر .. لكنا استلمنا حب الجمهور
ورضاهم الحقيقي - لا المزيف - عن عملنا الذي
انجزناه ولله الحمد بالنيات النبيلة سعيا لاهدافنا
السامية التي يعرفها رهابنة المسرح وقداسه.
موضوعات حياتية كثيرة تزخر بها المسرحية ,
السياسية منها والدينية والاجتماعية والفلسفية
وغيرها .. حاولت تجسيد هذه الموضوعات وفق رؤيتي
الاخراجية المعاصرة وايجاد اواصر رابطة مع النص
وواقعنا العراقي وما جرى فيه ويجري الان وسيجري
لاحقا من التحقق على كافة هذه المستويات الفكرية
التي تربط الانسان بانسانيته و بجذره الذي ينتمي
اليه ابدا.
وعن اصداء
العمل اشار المخرج بان العرض حقق نجاحه الذي يتحدث
عنه الجميع وعده البعض انعطافة في المسرح البابلي
.. وبحسب رأي المهتمين والمثقفين الحقيقيين من
أصدقائنا التجربة حققت الكثير مما يحق لنا أن نفخر
بها مسرحيا وثقافيا .. أما إذا شاء النفر القليل ,
شخص أو شخصان التعبير عن تفسيرات كامنة في ظلمة
أفكارهم تعبيرا منهم عن النقص الإبداعي الذي
يعانون منه أبدا فذلك شانهم ..لان القافلة
المسرحية تسير.. ولا يمكن لشخص أو شخصان أن
يوقفاها أبدا .. أبدا .
الناقد المسرحي ياسر البراك كانت له وقفة نقدية
للعمل حيث قال : تذكر الوثائق المسرحية المتوفرة
لدينا أن تقديم مسرحيات شكسبير ظل مستمراً على
خشبات المسرح العراقي منذ الأربعينيات من القرن
الماضي وحتى الآن ، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما
يدل على أن المسرح العراقي مسرح مثقف وعلى تواصل
مستمر مع مُنجز المسرح العالمي ، ولكن ليس هذا بيت
القصيد ، فالشيء المهم - بحسب إعتقادنا - هو
الكيفية التي تم بها إنجاز هذا العرض المهم وما
يترتب على هذا الإنتاج من مقدّمات يمكنها أن
تقودنا إلى إعادة النظر بالكثير من المسلّمات
والقواعد التي أرستها حركية المشهد المسرحي
العراقي السابقة تلك الحركية التي كان فيها (
المركز = مسرح العاصمة ) يشكل فيها كل شيء ، بينما
يغيب ( الهامش = مسرح المحافظات ) أو يُغيَّب عن
تاريخية ذلك المشهد لبُعده عن الأضواء التي
يحتكرها المركز تماشياً مع البنية السياسية
للأنظمة الشمولية التي حكمت العراق ، ولعل الإطار
العام لتلك الظاهرة يتمثل في إعتماد المعالجات
الإخراجية لمسرحيات شكسبير التي قدمها مخرجو
العاصمة في الحديث عن تعامل العقل الإخراجي
العراقي مع مسرحيات شكسبير ، فمثلاً يجري الحديث
عن ( هاملت ) حميد محمد جواد ، أو سامي عبد الحميد
، أو صلاح القصب ، وغيرهم من مخرجي المركز ، بينما
لا يجري الحديث عن إخراج الشكسبيريات الأخرى في
مسرح الهامش ( المحافظات ) لذا أعتقد أن عرض (
هاملت ) البابلي يمكن أن يشكّل علامة فارقة في
تاريخ هذه الظاهرة / الإشكالية ، أقول علامة من
شأنها أن تعيد النظر في رؤيتنا لطبيعة المسرح
العراقي وبناءه المشهدي وبما يتوافق مع التنوع في
الرؤى بين مسرحي المركز والهامش ليجري تصدير مسرح
الهامش إلى المقدمة عبر عروضه الرصينة والمتميزة
وفي مقدمتها ( هاملت ) البابلي فيجري الحديث عند
ذاك عن ( هاملت ) محمد حسين حبيب ضمن سياقية
التعامل الإخراجي مع رؤية المخرج العراقي في قراءة
شكسبير المستمرة ، عندها نجد أن الحلقة الإبداعية
تكتمل بدءً من جهود المخرجين في الأربعينيات
مروراً بما قدمه مسرح المركز والهامش على حدًّ
سواء ، وإنتهاءً بالرؤى الجديدة التي سوف تتعامل
مع ( هاملت ) أو غيرها من القمم الشكسبيرية ، وإذا
كان مسرح المركز يمتلك البنية التحتية ( قاعات
مجهزة بأحدث التقنيات / ممثلون محترفون / مؤسسات
إنتاجية قادرة على توفير المال /... الخ ) التي
تؤهله لتقديم مثل هكذا أعمال كبيرة فهل توفرت -
على الأقل في العقود الثلاثة الماضية - مثل هذه
البنية في مسرح الهامش بحيث يمكنها أن تنعكس بشكل
إيجابي على تقديم مثل هكذا نمط من المسرحيات نعتقد
أن الجمهور العام بحاجة لها باعتبارها تجربة
جمالية مهمّة في حياته ، والقضية - برأينا - في
معرض الإجابة عن هذا السؤال ستكون نسبية ، إذ أنه
في ظل غياب البنية التحتية للمسرح في بعض مدن مسرح
الهامش لا يمكن تقديم مثل هكذا أعمال ، أما
بالنسبة للمدن التي تمتلك بعض مقومات تلك البنية
التحتية - وبضمنها مدينة الحلة - فاعتقد أن الأمر
سيكون ممكنا وهذا ما ظهر بشكل واضح في ( هاملت )
البابلي ، فعلى الرغم من أن العرض قدّم في قاعة
فقيرة نسبياً من الناحية التقنية إلا أنه إجتهد في
أن يكون عملاً مميزاً من الناحية الإنتاجية أولاً
، ومن ناحية الاقتراب إلى تخوم الرؤية الإخراجية
المغايرة للرؤى الإخراجية السائدة في ذاكرة عروض
المسرح العراقي السابقة ثانياً ، وذلك ما أشّر
لدينا كمتابعين للشأن المسرحي أهمية وجود كلية
الفنون الجميلة - جامعة بابل وإنعكاس ذلك الوجود
على المستوى المتقدم نسبياً الذي ظهرت به الطاقات
الأدائية الشابة في هذا العرض ، وأقصد على وجه
التحديد ممثلي أدوار ( هاملت وهوراشيو وأوفيليا )
، إضافة إلى خبرات الممثلين الآخرين من خريجي معهد
وكلية الفنون الجميلة - بغداد في السنوات التي
سبقت تأسيس كلية الفنون في بابل ، وهذا ما يعطي
الأمل بإمكانية أن يكون لـ ( مسرح الهامش ) دوراً
كبيراً في الحياة المسرحية القادمة لأن هذا العرض
يؤسس لمستوى إنتاجي يمكنه أن يبرز ما هو خفي وغير
معلن في تجارب هذا المسرح ، وإذا ما أضفنا إلى ذلك
تنوع وسائل الإعلام التي من شأنها أن تروّج لمثل
هكذا أعمال فان الحلقة تكتمل لتوفر فرصة تصدير
مسرح الهامش ليتحوّل إلى مركز هو الآخر ، وبالتالي
تذوب جميع تلك الهوامش المسرحية تباعاً لتتحوّل
إلى مراكز مسرحية متجاورة قد تتفاوت نسبيا لكنها
لن تكون حاملة لقطيعة كبيرة من المسافات الإبداعية
، وما سوف يعزز هذه الرؤية طبيعة النظام السياسي
الذي بدأ يتشكل مع سقوط الدكتاتورية ، وإنعكاس
بنية هذا النظام على الحياة الثقافية وبضمنها
المسرحية ، وربما سيستغرق هذا الأمر زمناً طويلاً
إلا أن مجالات تحققه سرعة وبطئاً محكومة بسعي
المسرحيين أنفسهم ودعم الحكومات المحلية لهذا
المشروع بعيداً عن الوصاية المركزية للعاصمة
ومؤسساتها المسرحية
|